الشيخ الطوسي

38

التبيان في تفسير القرآن

وقوله ( ومن قدر عليه زرقه ) معناه من ضيق عليه ، لأنه أتى على مقدار البلغة التي تضيق عن غيره ، فمن هذه صورته ( فلينفق مما آتاه الله ) على حسب امكانه وطاقته ( لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) يعني إلا بقدر ما أعطاها من الطافه . وفي ذلك دلالة على أنه تعالى لا يكلف أحدا مالا يقدر عليه ولا يطيفه . ثم قال ( سيجعل الله بعد عسر يسرا ) أي سيفعل الله بعد شدة سهولة ، فاليسر اتيان الامر من غير مشقة ، وهو سهولة الامر ، وضده العسر ، وهو صعوبة الامر . وقوله ( وكأين من قرية ) معناه و ( كم من قرية ) على التكثير ، لأنه يخبر ب‍ ( كم ) عن الكثرة ( عتت عن امر ربها ) والعتو الخروج إلى فاحش الفساد . والمعنى كم من أهل القرية كفروا بالله وتجبروا عن طاعته وخرجوا بذلك إلى أفحش الفساد ( ورسله ) معناه عتوا عن امر الله وامر رسوله ( فحاسبناها حسابا شديدا ) فالحساب الاعمال مقابلة ما يستحق على الطاعة وبما يستحق على المعصية والحساب الشديد مقابلة ذلك من غير تجاوز عن صغيرة ولا عفو عن ذنب ، وذلك أن الكافر يعاقب على كل صغيرة وكبيرة من حيث إنه لا طاعة معه تكفر معاصيه . وقوله ( وعذبناها عذابا نكرا ) معناه عذبنا أهل تلك القرية العاتية عذابا نكرا ، وهو الذي ينكره الطبع وتأباه النفوس لصعوبته وشدته . والامر النكر الذي ينكره العقل . وقوله ( فذاقت وبال أمرها ) فالوبال عاقبة السوء ، أسند الفعل إلى القرية ، فلذلك أنث قوله ( فذاقت ) ولو قال : ( عتوا ، عن أمر ربهم ، وعذبناهم فذاقوا ) على المعنى كان جائزا . والوبال ثقل العائد من الضر . وقيل : ان معنى نكر أنه متجاوز في الشدة لكل ما عرفوه في الدنيا من العقوبة ( وكان عاقبة أمرها حسرا ) أي وكان آخر أمر تلك القرية العاتية خسرا أي هلاك أنفسهم ، وأصله هلاك رأس المال . ثم بين مالهم في الآخرة ، فقال ( أعد الله لهم عذابا شديدا ) من عذاب النار